
في زمن طاعن في الارتياب، حين كانت الحياة تطارحنا الغرام وتنال دائما مبتغاها، تاركة إيانا على أرصفتها العارية أوفى أماكن مسقوفة بالمكائد والأحابيل، حين يعبر الزمن متأنيا، يأخذ وقته، في تفحص العابرين إلى منابع الحتوف والمسرات، كنا هناك
تبدأ فاطمة الناهض قصتها كما في أعمالها الأخرى بداية متوهجة تتكئ على لغة مخادعة غاية في المكر الجميل، لغة تحمل الشعر في طياتها لكنها لا تخلص له إلا بالقدر الذي يقودها نحو الدخول في العالم الذي تريد... جملة البداية كانت إعداداً ذكياً جدا لدخولنا في الحدث فالزمن طاعن في الارتياب... والحياة تنال مبتغاها تاركة إيانا في أماكن مسقوفة بالمكائد والأحابيل والزمن يراقب العابرين إلى منابع الحتوف والمسرات... هذه هي المقدمة المعدة بذكاء لدخول الحدث الذي بدأه العنوان بالإحالة على زمن أحمر.. واللون هنا يشيء بالكثير فهو يحمل من الخطر مثلما يحمل من الدفء ويحمل من الحذر مثلما يحمل من التهور...
في سنة، لم تكن بعيدة بما يكفى لاستحالة تذكرها ولا قريبة نذكر تاريخها،وفى ليلة انكشف فيها سر القمر الدفين ، ولم نصدق،غفونا على عد النجوم الذي يبدأ كل ليلة ولا ينتهي.وحلمنا جميعا،نفس الحلم..
رغم أنني لا أحب القصص التي تهيئ للحدث لتقدم لنا حكاية من زمن مضى لكن هنا استطاعت فاطمة الناهض بحرفية شديدة أن تتخطى هذه العثرة في طريق القص لتقول لنا بكل وضوح ليس مهما الزمان رغم أهميته فهو مريب ككل شيء ، السنة ثم الليلة ثم ... الحلم.. الحلم الذي حلمنا به جميعا...هذه الفقرة هي إعداد للقارئ أدق من الإعداد الأول وأشد قربا من الحدث وتركيزاً عليه، وكأن الكاتبة اقتربت من قصتها على مراحل مرحلة أولى ترى كل شيء : الزمان والمكان والعابرين، ومرحلة أخرى اقتربت فيه أكثر من الحدث لتفصله لنا ، وكأنها أرادت أن تقود القارئ بتأن شديد نحو الدخول في الحدث... مما يجعلني أؤكد أن القاصة كتبت قصتها بعناية شديدة بل أنها أضمرتها في نفسها فترة طويلة جدا، وأخذت خيوطها وغزلتها بتأن شديد...
البلدة كلها حلمت ان شيئا ما قد حدث..لكن أحدا لا يتذكر ماهو.و حين استيقظنا..كنا متدثرين بالكامل بطبقة من التراب الأحمر الرقيق.
الآن نبدأ الحدث/ الحلم... ولكن ماهو هذا الحلم ؟؟ " أحدا لا يتذكر "... لكن الجميع اشترك فيه وكأنه ضياع كبير مر وموجع ومع ذلك لا يذكره أحد ولا يعرف تفاصيله...هل هو الدخول في هذه الحياة ؟؟؟ الانتماء إلى أمة ما ؟؟ إلى بلدة ما ؟؟؟ إلى زمان طاعن في الارتياب والمكائد ؟؟؟ هل هذا يحول القصة إلى قراءة في عمق حالتنا العربية ؟؟ الخليجية ؟؟ الإسلامية ؟؟ لا لن أقول ذلك لكني سأقول إنها قراءة فلسفية في حالة راهنة موجعة وشديدة الفجاجة وتلقي بظلالها الخانقة على كل شيء كما التراب الأحمر الذي غلف كل شيء..
اذكر أننا ضحكنا باقتضاب على أشكالنا العجيبة ،حيث التصق التراب الأحمر برموشنا وأفواهنا وفتحات الأنوف..ونثر الحناء على رؤوسنا فبدونا اقرب ما نكون إلى الخارجين من القبور قبل الأوان.تلفتنا حولنا وكان الهواء يحاول سلبنا ما نحتمي به بمثابرة وبلا يأس..رحنا نلحس شفاهنا،ونفرك أعيننا، نحاول استكناه ما جرى أثناء الليل وما زال مستمرا،
ضحكنا باقتضاب... هذا هو الفعل الأول الذي يقوم به من أصابته فاجعة ؟؟ ضحك مرير إذا وشديد الألم، فالتراب الأحمر التصق بكل ما يستطيع أن يقربنا من الحياة سواء (النظر) أو (القول) أو (الحواس) ... الخروج من القبور هو إعادة صياغة، ولكن بصورة عكسية للخروج إلى الحياة... فنحن عندما دخلنا للحياة كنا نلمس كل شيء للمرة الأولى، حتى الهواء يلمسنا للمرة الأولى .. ندهش به أو يدهش بنا لا يهم... لكن العودة من القبر قبل الأوان عودة فاجعة مريرة ...فالهواء يحاول سلبنا كل شيء ونحن نحاول أن نفهم ما حل بنا في الليل.... والليل ليس ذلك الليل الذي ننام فيه ونحن نعد النجوم ونحلم... الليل هنا ليل ماكر... أسرنا ونثر التراب الأحمر علينا جميعا . إنه تراب قاتل يحاول أن يشوهنا، أو هو تراب أكثر صدقا منا فأعطانا الصورة التي نحن عليها بالفعل...
هل غضبت النجوم حين غفونا عنها،هل بيّت القمر انتقامه منا أم من حكايا جدتي المعادة،هل تصادمت الكواكب فانهال علينا غبارها،أم أننا كنا جميعا نياما..حين اجتاحت العواصف الترابية العابرة أسطح المنازل دفعة واحده ودلفت إلى المنازل وتجولت في الطرقات واحتلت ما بين السماء والأرض فلونت كل شئ بحمرتها الغريبة.
كل التبريرات التي ساقتها الكاتبة (الرواي) لم تبرر أي شيء ولكنها نقلت لنا سببا خفيا لهذا التراب الأحمر... فغضب النجوم، وانتقام القمر وتصادم الكواكب والعواصف الترابية ... كلها أسباب ترجع هذه الكارثة إلى الطبيعة.. ومفرداتها وقوى ليست لنا يد فيها.. كلها تبريرات لأنفسنا بعيدا عن محاكمة الذات، مما يلفت نظرنا إلى السبب الأساسي وهو أننا نرجع دائما كل شيء إلى قوى خفية أو طبيعية أو خارجة عنا دون أن ننظر إلى أنفسنا وإلى أخطائنا ...
نعم كانت السماء حمراء..وحين نقول جميعا ذلك لا نقصد حمرة الدم،انه لون اقل من ذلك وأكثر شحوبا، لكننا اتفقنا على انه احمر ربما للإيحاء بأنه أمر جلل وان المبالغة فيه نوع من الاحترام أو جذب الانتباه .
الاتفاق على اللون الأحمر... اتفاق آخر يجمع عليه أهل البلد...فكلهم حلموا نفس الحلم...وكلهم اتفقوا على أن لون السماء كان أحمر، ربما للإيحاء بأنه أمر جلل .. للمبالغة أو الاحترام أو جذب الانتباه ... كل تلك الجمل تقودها الكاتبة بذكاء لتشرك القارئ بالحدث ولتنأى بنفسها عن وضع حقائق محددة تقيد النص ومعانيه الخفية... ومع ذلك كلها تحاكم هؤلاء الناس وسلبيتهم المشاعة بالنص.
استمر الطقس هكذا لعدة أيام غريبا وملهما،ولا استطيع استعادة ما إذا كنا ذهبنا إلى المدارس وقتها أو تابعنا لعبنا في الشوارع،لكنه كان وقتا عجيبا كيفما أدرته في ذهنك،احتجبت فيه الشمس قليلا وبدت المرئيات مضنية كأنك تنظر إليها من خلف غلالة من الغبش،أو تنظر إليك،وتكاثر الرمد،والربو ،وعسر التنفس وصرت لا ترى الوجوه إلا ملفوفة ب"الغتر" لا تكاد تبين منها العيون،حتى نحن، لم يتركنا أهلنا نلعب خارج البيوت إلا و"غترنا" تغطى اغلب الوجه،فكان ذلك مدعاة اكبر للإثارة،كأننا شياطين صغيرة تتقافز في حمرة النهار الباهتة.
الوصف الدقيق لما حدث سواء وصف للطبيعة أو للبشر أعطانا صورة متكاملة للجو الذي وضعتنا به القاصة ونقلتنا بهدوء ولكن بإحكام نحو العيش حقيقة في هذا الجو الكئيب.. قبل أن تقدم لنا نفسها راوية : طفل ، شيطان صغير يتقافز في حمرة النهار الباهتة :
على ان الليل لم يكن أفضل بكثير، لكثافة الغبار العالق على امتداد البصر،وكنا نستشعر بلاء حقيقيا قادما في الطريق،حين صاروا يجبروننا على النوم داخل الغرف، وباكرا، نحن أهل السطوح،عشاق النجوم والعراء،ولم تعد تضيء عتمة ليلنا سوى تلك "اللمبات" البائسة،التي تحيط بها هالتان من الضوء الشحيح الذي هزمه الغبار الأحمر .
ترى لماذا اختارت القاصة شخصية طفل صغير لتقدم لنا هذا الجو المفعم بالاختناق ؟؟؟ هل هو مراقبة الجيل القادم ووعية النامي نحو الحكم على الأشياء بمنطق أكثر صدقا مع الذات ؟؟؟ نحن أهل السطوح عشاق النجوم والعراء... نحن أهل البادية ؟؟ نحن العرب الأوائل ؟؟؟ ربما نحن كل هذا لكنها اختنقنا بما حدث لنا ذات ليلة في سنة ليست بعيدة لننساها وليست قريبة لنتذكر تاريخها ...
كانت تستدرجني الأحداث المثيرة فأتوحد بها، وربما كنا جميعا هكذا ميالين للكوارث، نستمتع بالشرور الصغيرة التي لا تؤذى أحدا أذى حقيقيا، ونحمل نفوسا أمارة بالسوء طول الوقت!
كما لو أنها تصف حقبة من الزمن لا نفسا صغيرة تتحدث عن ذاتها، والقصة كلها تستدرجنا هكذا من البدء حتى الختام فالزمان ليس بالضرورة زمان فرد أو بلد بل هو زمان نفسي لأمة كاملة... زمان يتحدث عن النضج البشري (نفوسا أمارة بالسوء طوال الوقت) وكأن النفوس التي تميل للكوارث وتستمتع بالشرور (الصغيرة) نفوس لم تبلغ درجة النضج بعد، لكنها في طريقها إلى ... المعصية !
وهكذا تسللت خارجا بعد ان هدأت الحركة ، وانطلقت خارج المنزل أتحسس طريقي مثل أعمى تقوده عصاه إلى المهالك.
أستطيع في كل الكلمات المواربة في هذا النص أن أرى إصرار فاطمة على نقلنا إلى عالم قصتها التي تنفست حروفها بتأن شديد... العصا التي تقود للمهالك هي ذاتها النفس الأمارة بالسوء طوال الوقت وكأنها تحاول رصد كل شيء على جميع الأصعدة سواء المادية أو النفسية ... لتطرح علينا فكرتها بتمهل شديد جداً :
كنت أفكر والطرقات المعتمة تدس الخوف في ثناياي دسا، ان أمر بصديقي رجب، اعوي أو انبح قرب نافذته ثلاث مرات كما هو متفق ، فيوافيني بعدها بقليل خلف "الحوطه"، لنبدأ مغامرة التجوال.
هذا النص من النصوص الذكية التي استطاعت أن توظف البيئة كعنصر فاعل دون أن تفقد النص عمقة وفلسفته ... كثيرون ممن قرأت لهم وظفوا البيئة الخليجية معتمدين على البحر بشكل أساسي أو النخيل كعنصرين من عناصر البيئة الخليجية التي تملك الدلالة بجدارة لكن تلك التجارب والتي قد لا تكون كثيرة (هذا ينطبق على قراءاتي وليس على ماهو واقع ) وظفت البيئة كعنصر محايد للمكان... لا يندس بين ثنايا الأحداث ولا يلقي عليها أي ظلال ...
كيف يمكن ان ينام الناس في مثل هذه الظروف، كيف يترك هذا الليل الأحمر خارجا لوحده، ودون ان يراقبه من يستطيع ان يطلق النفير في اللحظة المناسبة؟
سؤال عميق جدا ..(كيف يترك الليل الأحمر خارجا لوحده دون أن يراقبه من يستطيع أن يطلق النفير في اللحظة المناسبة ؟) رغم أن السؤال كان من الممكن أن يختصر ليكون أكثر تركيزا وتأثيراً في نفس القارئ ككل شيء يراد له أن يقبض على أنفاس القارئ وينقله إلى عالم النص بدهشة حادة إلا أننا نتقبله لاكتمال ما أرادته القاصة... وكأن الليل الأحمر أصبح خطرا يسعى في غفلة من الناس ، وكأن الطفل فطن للمسعى الخبيث بفطرته ولغياب (الرقيب) الذي من المفترض أن يرسل تحذيره في الوقت المناسب...
أفزعني رجب حين امسك بثيابي فجأة من الخلف، جفلت وقفزت مستعدا للانقضاض وبقدر ما تسمح به سنواتى الإحدى عشر، لكنه تفاداني بخفة أثارت غيرتي، ثم سرنا بحذر كلصين ضئيلين نتستر بجدران البيوت المتلاصقة، تاركين نهر الشارع الضيق، يتلوى كثعبان احمر مصفر، وحيد ومنبوذ.
لقطة عميقة أخرى... فالطريق ليس بالضرورة طريقاً ، وكونه يتلوى كثعبان وحيد ومنبوذ يقودنا من أيدينا للتقدم نحو قراءة هذا النص بجانبه الأخلاقي وليس السياسي رغم أن كلاهما وارد...
وبدا الحي مخيفا تحت ريش الظلام الأحمر،كأنه مضاء بملايين المصابيح النائية الكسيرة، التي توشك على الاحتراق في أية لحظه. لكنني ورجب كنا من مشاكسي الحي المفعمين بفضول يعمينا أحيانا عن إدراك أخطار محققه لا ينقذنا منها غير العناية الإلهية.وتلك الليلة لم تكن الاستثناء الوحيد.
تنسى القاصة رغم نظرتها العميقة وفكرتها المنتقاة بعناية أن تخلص للقصة ومفرداتها أيضا لتقدم للقارئ العادي مادته وللمتعمق مادته...فمرة قدمت الشخصية بالحدث (العواء والقفز والحسد) ومرة قدمتها بالوصف (مشاكسي الحي.. فضول يعمينا..) لتقدم لنا شخصية حقيقية لطفل مشاكس وأيضا لتهيئ لنا ما هو قادم (تلك الليلة) بجو مشحون بالترقب والانتظار والمغامرة أيضا :
حين وصلنا إلى زاوية الحوطة التي تهدم جدارها الرابع بصدمه من تنكر شفط المجارى وهو يرجع إلى الوراء ،لمحنا شبحين يركضان داخل السور، المرمم على عجل والمهمل منذ زمن،ولما كنا لانخاف الجن ولا الأشباح،لأننا من ميتي القلوب كما أشاع الصبية عنا ذات مرة،فقد لحقنا الظلين بحذر وخفه،وقلوبنا تضطرب، تكاد تفرمن الحنايا ،مستثارين إلى أقصى درجة وجاهزين لاختراق المجهول.أحيانا لا يحتاج المرء أكثر من مخيلة خصبة،لتبدو له الحياة جديرة بالموت من اجلها.أقول ذلك لأنني تخيلت قرنين للشبح الأول، وجناحين للثاني،ولكنني احتفظت بذلك لنفسي،حيث تبين فيما بعد ان ذي القرنين كان يضع "غترته" على رأسه بالطريقة الشعبية بلا عقال حيث يظهر طرفاها شاخصين،فيما كان الشبح الآخر لامرأة ترتدي عباءة أدخلت يديها في ف! تحتي اليدين وراحت ترفرف العباءة وراءها في ركضها الذي يسابق الريح. ماعرفنا الرجل و لم نميز المرأة،التي الصقها بالزاوية،وراح يبثها لواعج نفسه في مرارة فطرت قلبينا من الضحك المكتوم،بل سولت لنا أنفسنا العواء مرتين أو ثلاثة ،حتى أجبرناهما على الفرار دون ان نعلم ان تمكنا من إنهاء المغامرة التي خرجا فيها من أمانهما إلى هذا الليل الأغبر.
اختيار ذكي لما يحمله هذا الليل الأحمر من خفايا : رجل يلصق امرأة بجدار ، وطفلان يضحكان من غترة على شكل قرنين وعباءة ترفرف ، ولكن دون أن نعرف الرجل ، أو نميز المرأة ، وهذا الاغفال المتعمد للشخصيتين في منطقة من المفترض أن يعرف فيها الجميع بعضهم البعض جاء منسجما ما ما أرادته القاصة... فالإيحاء أفضل من الإفصاح في حالة نقد حالة عامة رغم خصوصيتها ، فالمرأة والرجل والظلام أول محطات هذا الليل الأحمر الماكر..
في ذلك التجوال الغريب، بدا لنا عرى البلدة خسيسا وناتئا ، غير نظرتنا الطفولية للأشياء قسرا وقبل ان نلج باب رجولتنا الحقيقية.خرجت أشباح البلدة ترعى شؤونها في ذلك السواد الأحمر،غير عابئة بهذا الغضب المتطاير بين السماء والأرض، بل كأنها تستتر به وتتنعم،وربما كانت ترجو ان يطول أكثر.ممتنة للخوف الذي يعبث بالنفوس،وهشاشة الإيمان.
(بدا لنا عري البلدة خسيساً وناتئا) في هذه الفقرة ركزت القاصة فكرتها وطرحتها بشكل شبه مباشر لكنه متقن حتى أنه اختفى كليا في ثنايا النص وهذا النقطة يخفق فيها كثير من كتاب القصة فيتخلون عن القص لصالح المباشرة فيتحول النص إلى ما يشبه المقالة في موضع من مواضعه ..
ونحن حارسي الليل الأحمر الهائج، من سيطلق النفير في اللحظة المناسبة، كنا شهودا بلا ألسنه، اكتفينا بالعواء تارة وبالنباح والصفير تارة ،ونحن نرى بضائع تخرج من مخازنها وتذهب إلى حيث لا ندرى،ونسوة يطرن تحت جنح الليل إلى غير مخادعهن،ورجالا يتبادلون ادوار النساء،وأقفاص دجاج وحمام ، تخرج من بيوتها وكلاب حقيقية تنبح بأصوات خجولة،
هنا تفصل القاصة ما ترى أن الليل الأحمر يغطيه.. أو ما سبّب هذا الليل الأحمر... خيانة أمانة وسرقة وشذوذ وسهر وعربدة ...إلخ... بكلمات منتقاة بعناية لتفصل لنا دلالاتها البعيدة ما يحدث في هذه البلدة والذي أرجعت سببه في الفقرة السابقة لـ (الخوف الذي يعصف في النفوس وهشاشة الإيمان..)
ورأينا في تلك الليلة شهبا تسقط في مكان بعيد لم يرها غيرنا،
في التفسير (الديني) للشهب هو غضب من الخالق لمن يترصد من الجن لأوامره ... أخذت القاصة هذه العبارة من موروثها الديني ووظفتها لتأخذنا إلى عالم النص بطريقتين الأولى أن هذين الطفلين يتجسسان على الآخرين.. ولكن ليكشفا خساسة أهل البلدة... وبالتالي عكست الدلالة الدينية لتكون كشفا إيجابيا لا سلبيا..وتحول التجسس إلى فعل كشف ... والطريقة الأخرى التي تتوافق أيضا مع عبارة (هشاشة الإيمان) هي غضب الخالق فكما الشهب تلاحق الخيانة في السماء هاهو الليل الأحمر يغلف الأرض..
ورأينا فيما رأينا،أشباحا تتجه نحو "السيف" حاملة نعوشا،تنوء تحتها الأكتاف كأنها محملة بالشرور لا بالموتى، وأشرعة لمراكب ضائعة في احتشاد الظلام ،وسمعنا أنينا وهمهمة غامضة،وقبورا فتحت على عجل،وفيما كنا نتخبط بين الحيرة والذعر،كانت نجوم صغيرة تحط على طرف الطريق النحيل المؤدى إلى المدرسة النائية،ثم تختفي، وبكاء متواصل رتيب لرضيع بعيد، يخدش هيبة الليل، ثم اشتدت الريح،وتنادت السدرات اليتيمة عند المقبرة.فارتجف صاحبي والتصق بي فدفعته عنى ورحت اركض بلا توقف وهو ورائي،حتى سبقني وقفز داخل نافذته،وكانت ساقاي قد تحولتا إلى جناحين تهاوتا عند فراشي، في إخلاص يستدعى البكاء، فبكيت،وتكورت قرب أخى الذي صحا ونظر إلى في الظلام ثم انقلب على جانبه الأيسر قبل ان يسحقني النوم.
مشهدية غاية في الإتقان سردت بعيون راصدة لشيء مبهم تماما كما مرور الشخصيتين بهذا الليل الذي يغشى الأشخاص والأماكن بما يشبه طبقة الرماد... نعرف لكننا لا نتبين ونرصد لكننا لا نحدد... جاء هذا الجزء في بدايته جميلا لأنه يرصد معلما آخر من معالم البيئة الخليجية : " البحر " ، ولكن هذا الليل الأحمر كشف عمق تشويهنا لأكثر المعالم جمالا وانفتاحا على الخيال لتقزمها بالتهريب التهريب والجريمة...
عندما تعن علّى ذكريات تلك الايام،استحث رجب على الكلام،لكنه يمنحني تلك النظرة الغامضة، التائهة وهو يرنو إلى الأفق،يهز رأسه ويبتسم،دون ان يقول شيئا.
ترى هل حولت هذه الفقرة - التي تبتعد في زمن القصة إلى الأمام سنوات عديدة – القصة إلى حكاية ؟؟ هل كان يجب أن تنتهي القصة عند عودة الصبي إلى فراشه منهكا ؟ هل كان يجب على القاصة أن تترك الزمان ليلاً أحمر ؟ أم أنها أضافت بهذه الحيرة التي تجرد الذاكرة من تلك التفاصيل الدقيقة جدا بُعداً آخر للقصة ؟؟؟ مهما يكن من آراء حول ذلك .. أقول إن القاصة نفسها لم تستطع أن تتوقف إلا عند النقطة التي وصلت إليها... وإن ما وصلت إليه من أن الغبار كثيرا ما يأتي لكنه أبدا لم يكن أحمر في يوم من الأيام ...له ما يبرره لدى القاصة ولدى العديد من القراء... في رأيي أن القاصة ربما أرادت من نفي مرور هذا الغبار الأحمر رغم وصفها الدقيق لتفاصيله المدهشة أن تستحث القارئ على الانتباه للتفاصيل وليس لما انتهت إليه... أي أن تضع أمامه هذا السؤال كيف لم يحدث شيء روي بتفاصيل تفاصيله ؟؟
وحين اسأل اغلب مجايلي الآن عن تلك الايام ينظرون إلى بكثير من الاستغراب ولا يبدو على أي منهم وبثقة كاملة انه تذكر ان أحداثا شبيهة قد مرت. صحيح ان الغبار يأتي كثيرا لكنه لم يكن احمر في يوم من الايام .
أرى أن التقدم في الزمن (حين أسأل الآن عن تلك الأيام) حركة ذكية من الكاتبة لتقول لنا أن ما حدث في الماضي هو ما سيحدث في المستقبل وأننا الآن ونحن ننفي عن ذلك الزمن أنه كان في يوم من الأيام أحمر نؤكد على أن زمان الليل الأحمر الحقيقي هو الحالي أو القادم...
القاصة فاطمة الناهض من الأصوات القصصية الجميلة التي تعمل على نصوصها بعناية وتمتلك أدواتها وتوظف لغتها وحسها الحداثي القوي في الكتابة لتقدم لنا رؤيتها العميقة في ثوب خاص متفرد...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق